⭕ *تقييم مراكز دراسات السلام بالجامعات الشرقية من منظور أكاديمي وسياسي (1-3)...!!!*

تقرير: عبد القادر جاز

من واقع الأحداث والصراعات القبلية في شرق السودان التي راح ضحيتها نفر كريم، من حيث المقومات التي يتمتع بها الشرق وإمكانية الاستفادة من جامعات القضارف- كسلا- والبحر الأحمر) من خلال مراكز دراسات السلام التي تشخص جذور الأزمة وتضع الحلول الممكنة، عبر رؤية استراتيجية مشفوعة بالمعرفة يمكن أن تتوافق عليها جميع المكونات الاجتماعية والسياسية وكافة كيانات الشرق، السؤال الذي يطرح نفسه ما موقف مراكز السلام من هذه الأحداث والصراعات؟ وإلى أي مدى ساهمت الدراسات والبحوث العلمية في تشخيص جذور الأزمة؟ وما هي الآلية المناسبة لإخراج الشرق من التشظي الاجتماعي؟
*مؤشرات الواقع
قال د. أوهاج علي أونور مدير مركز دراسات السلام والتنمية المستدامة بجامعة البحر الأحمر رغم أن المركز حديث النشأة إلا أنه بذل مجهودات مقدرة لأجل تحقيق التعايش السلمي، والسلم الاجتماعي، من خلال تكثيف محور بناء وتنمية قدرات الشباب للتصدي لخطاب الكراهية وسط المجتمع، مشيرا إلى تكوين آليات شبابية تساهم في مناصرة ودعم قضايا السلام عبر الوسائط الإعلامية المختلفة، موكدا أن الأحداث والصراعات القبلية التي حدثت في شرق السودان نتيجة لعوامل عديدة أهمها: التهميش السياسي الاقتصادي، والتنمية الغير المتوازنة ما قاد إلى تفشي الجهل والفقر وسوء إدارة الموارد والهشاشة الأمنية وانتشار السلاح والتدخلات الخارجية، مستطردا بالقول إن هذه المؤشرات هي التي فرضت واقعا جديدا للسيطرة على موارد الإقليم.
*العدالة والإنصاف
كشف أوهاج أن الحلول لقضية الشرق تكمن في حل أزمة مسار الشرق باتفاقية جوبا من خلال الحوار، وبعقد مؤتمر جامع يشارك فيه جميع أهل الشرق بمكوناتهم المختلفة، مطالبا بضرورة فصل المعالجات الاجتماعية بعيدا عن المعالجات السياسية التي تحتم احترام الأعراف والتقاليد، وتنفيذ الالتزامات بمحاكمة الضالعين في جميع أعمال العنف التي وقعت، مع ضرورة تأكيد العدالة والإنصاف بصورة عاجلة، وشدد على أهمية الردع العدلي في تجاوزات ضوابط حمل واستخدام السلاح، ومكافحة المخدرات، ووجه بضرورة تفعيل قانون الجرائم المعلوماتية للتصدي لخطاب الكراهية دعما للتعايش السلمي في شرق السودان.
*قيد أنملة
أوضح د.إدريس الفكي علي مدير مركز أبحاث السلام والتنمية بجامعة كسلا سابقا أن مراكز السلام هي عبارة عن وحدات أكاديمية بحثية ليس لها أدوار في حلحلة المشاكل المجتمعية، بل تشخيصها ووضع فرضيات واختبارها وفقا للمعايير الإحصائية المناسبة، مشيرا في هذا الخصوص إلى ما تفتقده هذه المراكز من معينات، حيث تم تعيين أساتذة لإدارتها، ولكن دون وجود أدنى مقومات، أو وسائل للحركة، في بدايات الثورة عقدت مفوضية السلام بالتعاون مع undp ورشة عمل ضمت جميع المراكز لمدة عشرة أيام، مؤكدا أن منظمي هذه الورشة التزموا بدعم المراكز لتقوم بدورها البحثي، ومساهمتها في بناء وتنمية القدرات لأصحاب المصلحة من الأجهزة العدلية والأمنية والضباط الإداريين والإدارات الأهلية، معربا عن بالغ أسفه أن هذا لم يحدث، ولم تتحرك هذه النوايا قيد أنملة.
*ظواهر الإفلات
اعترف إدريس أنه لا علم له بانعقاد أي دورة تدريبية اللهم إلا دورة بولاية كسلا ضمت: ممثلين لولايتي كسلا والقضارف بمبادرة من جامعة الخرطوم، وبرعاية كريمة من السفارة النرويجية، تعلقت بمحاربة ظاهرة الاتجار بالبشر، وكيفية دعم الجهود الحكومية عبر تفعيل دور الإدارة الأهلية بالتنسيق مع إدارة الرعاية الاجتماعية بوزارة الصحة الولائية، مقرا بأن كسلا لا تعاني من نزاعات أهلية، بقدر ما أنها مجموعات متفلتة من جميع الأطراف القبلية المتنازعة، اعتبرها ظواهر أقرب للجرائم الطبيعية في أي مجتمع خلاف حرب ناظر الهدندوه ضد تعيين صالح عمار، ثم حربه على مسار الشرق باعتبار أن الفصيل الذي وقعه لا يمثل كل أطياف الشرق.
*حوار عميق
أوضح عمر أبو علي الطاهر رئيس حزب المؤتمر السوداني بولاية البحر الأحمر أن مراكز السلام ينحصر دورها في الحقل الأكاديمي لوضع أسس علمية تساهم في بناء السلام داخل المجتمع السوداني، داعيا مراكز السلام لضرورة فتح حوار عميق يلامس قضايا التنمية، والمشاركة الفعلية لإزالة التظلمات التاريخية المرتبطة بقضايا شرق السودان، وفي تقديره أن هذه المراكز لم تتواصل مع المجتمع بالصورة المطلوبة.
*دون الطموح
قال أبو علي للأسف الشديد حصر الدورات التدريبية في المراكز الحضرية والمدن الكبيرة على سبيل المثال: مدينة بورتسودان في ولاية البحر الأحمر، متسائلا لماذا لا تتاح الفرصة لأبناء المحليات والوحدات الإدارية والمناطق الريفية للاستفادة من محور بناء وتنمية القدرات في هذا المجال؟ مضيفا أنه نتيجة لضعف إمكانيات هذه المراكز لن يتثنى لها تغطية هذه المناطق، مؤكدا أنه رغم قلة الدورات التدريبية إلا أن مراكز السلام قد أحدثت نوعا من التغيير داخل المجتمع بيد أنه دون الطموح، منبها في ذات الوقت لغياب الرؤية الاستراتيجية ما يعيق عملية بناء السلام، وإذا استمر الحال على ما هو عليه دون حلول ستتعقد الأزمة السياسية أكثر، ورأى أن المخرج في فصل القضايا الاجتماعية عن السياسية لحل مشاكل الشرق.
*إعادة تأهيل المراكز
يرى محللون سياسيون وخبراء أكاديميون بشرق السودان أن فكرة إنشاء مراكز دراسات السلام في الجامعات السودانية لم يأت من فراغ، وإنما نتيجة للهشاشة الأمنية في المناطق التي تنتشر فيها النزاعات، واعتبروا أن هذه المراكز لها أهداف محددة، مساهمتها في نشر الوعي، وإشاعة السلم، وقبول الآخر تحقيقا لبناء سلام دائم ومستقر، مشيرين إلى ضرورة تقييم عمل هذه المراكز، وينبغي إعادة النظر في مسألة تأهيل المراكز، وبناء قدراتها حتى تضطلع بدورها على الوجه الأكمل، إضافة إلى أن التأهيل يبنى على أساس البني التحتية، والكادر البشري، وقوة البرامج المطروحة، مع مقارنتها بالأنشطة والأهداف المراد تحقيقها.
*إدارة الشخص الواحد
برهن الخبراء أن الاعتماد على الإطار التحكيمي التقييمي يسهل الوصول إلى استصدار تقييم يمكن من خلاله النظر إلى أداء هذه المراكز، ولفتوا أن هذه المراكز من حيث البنى التحتية لا تتمتع بأدنى درجات التأهيل فضلا عن النقص في المتطلبات المكتبية، ومعينات العمل التي تساعدها على الاتصال والتواصل مع العالم، ووصفوا هذه المراكز من حيث الكادر البشري في أغلب المراكز بجامعات شرق السودان على أنها مركز الفرد الواحد، وهذا لا يستقيم كمعيار للتنمية البشرية لوضع المعالجات والحلول الناجعة، مرجحين بأن هذه المراكز ربما ليس لها هياكل تنظيمية، وإن وجدت فإنها معطلة، أو ممثلة في شخص مدير المركز.
*اجتهادات فردية
أكد الخبراء أن الأنشطة التي تنفذها مراكز دراسات السلام يمكن وصفها بالضعيفة، ولا تعدو سوى اجتهادات فردية، أكثر من كونها عمل مؤسسي تنفذه مراكز بحثية علمية. مستطردين بما يؤكد هذا الوصف غياب هذه المراكز عن مجابهة النزاعات المختلفة التي اندلعت بين مكونات مختلفة في الإقليم، أقروا بأن المراكز البحثية في الجامعات قد تشتكي من النظم الإدارية التي تعيق انسياب التمويل من المنظمات الناشطة في هذا المجال، ورجحوا أن هذا قد يكون سببا في عدم مقدرة بعض المراكز من الوصول إلى أهدافها، مشيرين إلى أن ذلك يؤكد غياب المؤسسية في الجامعات ككل، وفي مراكز السلام كجزء من تلك الجامعات، واعتبروا أن غياب المؤسسية مؤشر للفشل، ويقود إلى على عدم قدرة هذه المراكز على تجاوز إشكالاتها التنظيمية التي تؤهلها لحل المشاكل المجتمعية.